محمد بن جرير الطبري
300
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
التبصير بالاستبصار في الباطل ، فذلفوا نحو باب الشماسية ، وقد رتب محمد ابن عبد الله مولى أمير المؤمنين بذلك الباب والأبواب التي سبيلها سبيله من أبواب مدينه السلام الجيوش في العدة الكاملة ، والعدة المتظاهره ، معاقلهم التوكل على ربهم ، وحصونهم الاعتصام بطاعته ، وشعارهم التكبير والتهليل امام عدوهم . ومحمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين ، يأمرهم بتحصين ما يليهم والامساك عن الحرب ما كانت مندوحه لهم ، فباداهم الأولياء بالموعظة ، وبداهم الغواة الناكثون بحربهم ، وعادوهم أياما بجموعهم وعدادهم ، مدلين بعدتهم ومقدرين الا غالب لهم ، ولا يعلمون بالله ان قدرته فوق قدرتهم ، وان اقداره نافذه بخلاف ارادتهم ، واحكامه عادله ماضيه لأهل الحق عليهم ، حتى إذا كان يوم السبت للنصف من صفر وافوا باب الشماسية بأجمعهم ، قد نشروا اعلامهم ، وتنادوا بشعارهم ، وتحصنوا بأسلحتهم ، وبدا الأمر منهم لمن عاينهم ، ليس لهم وعيد دون سفك الدماء ، وسبى النساء ، واستباحه الأموال ، فبداهم الأولياء بالموعظة فلم يسمعوا ، وقابلوهم بالتذكره فلم يصغوا إليها ، وبدءوا بالحرب منابذين لها ، فتسرع الأولياء عند ذلك إليهم ، واستنصروا عليهم ، واستحكمت بالله ثقتهم ، ونفذت به بصائرهم ، فلم تزل الحرب بينهم إلى وقت العصر من هذا اليوم ، فقتل الله من حماتهم وفرسانهم ورؤسائهم وقاده باطلهم جماعه كثيرا عددها ، ونالت الجراحة المثخنة التي تأتي على من نالته أكثر عامتهم . فلما رأى أعداء الله وأعداء دينه ان قد اكذب ظنونهم ، وحال بينهم وبين أمانيهم ، وجعل عواقبها حسرات عليهم ، استنهضوا جيشا من سامرا من الأتراك والمغاربة في العتاد والعدة والجلد والأسلحة في الجانب الغربي ، طالبين المعرة ، ومؤملين ان ينالوا نيلا من أهله باشتغال إخوانهم في الجانب الشرقي بأعدائهم . وقد كان محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين شحن الجانبين جميعا